الشيخ عبد الغني النابلسي

56

كتاب الوجود

وجود قديم ووجود حادث ، وهذا حكم من العقل بدهى عنده وهو خطأ محض عند العارفين ، فإن الوجود عندهم لا يصح أن يعدد أصلا ، ولا يصح أن يكون اثنين ، ولا يصح أن يتجزأ ، ولا يصح أن يتبعض ؛ لأن الوجود إن كان اثنين مستقلين كان إلهين اثنين ، وإن كان أحدهما مستقلا وهو الوجود القديم والآخر غير مستقل بل هو مستفاد من الوجود القديم ، وهو الوجود الحادث ، لزم انقسام الوجود القديم وانفصال الوجود الحادث منه ، وهو محال فإن ذلك دعوى النصارى في قولهم : وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ « 1 » . وإن كان الوجود الحادث غير منقسم من الوجود القديم وغير منفصل منه ، وإنما هو مخلوق خلقه الوجود القديم وصفا للحوادث كما خلق الحوادث موصوفة به ، فإن الحوادث كلها ذواتها وصفاتها مخلوقة ومن جملة صفاتها التي هي مخلوقة لها الوجود الحادث الذي هي موصوفة به ، لزم من ذلك أن يكون ذلك الوجود الحادث كان معدوما مثلما كانت الحوادث معدومة أيضا . ثم إن اللّه تعالى أوجد ذلك الوجود الحادث إما بوجوده تعالى أو بوجود حادث آخر ويتسلسل ، والتسلسل باطل ، فكونه بوجود آخر باطل فتعين أن يكون اللّه تعالى أوجد الوجود الحادث بوجوده سبحانه على معنى أن وجوده سبحانه القديم هو وجود الوجود الحادث « 2 » ، وبالوجود الحادث وجدت الحوادث فيكون بين وجود الحوادث

--> ( 1 ) سورة الصافات ( 152 ) . أي : صدر منه الولد ، وقد ذكر اللّه تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب ، فأولا جعلوهم بنات اللّه فجعلوا للّه ولدا تعالى وتقدس ، وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون اللّه - تعالى وتقدس - وكل منها كان في التخليد في نار جهنم . تفسير ابن كثير ( 4 / 24 ) . ( 2 ) ذهب الدكتور أبو العلا عفيفي في شرحه للفصوص إلى أن مذهب ابن عربى ليس فيه أثر للاثنينية وكل ما يشعر بالاثنينية يجب تفسيره على أنه اثنينية اعتبارية ، فليس في الوجود في نظره إلا حقيقة واحدة إذا نظرنا إليها من جهة سميناها حقا وفاعلا وخالقا ، وإذا نظرنا إليها من جهة أخرى سميناها خلقا وقابلا ومخلوقا ، وليس على وجه التحقيق في مذهبه خلق بمعنى الإيجاد من العدم ؛ إذ يستحيل على وجه التحقيق في مذهبه خلق بمعنى من العدم ، وإنما أصل كل وجود وسبب كل وجود فيض إلهي دائم . ( انظر التصوف الفلسفي ص 45 ) .